الشيخ داود الأنطاكي
72
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
الأمعاء من الثفل « 1 » واللزوجة وينبّه عضل المقعدة على دفع ذلك بحدته . أو غير طبيعية اما فاسدة بنفسها وهي المرة الصفراء عند الاطلاق ، أو بالبلغم ، وهي المحية كما مر . هكذا قالوا . وعندي : أن المحية ينبغي أن تكون من أقسام البلغم ؛ لأن النسبة إلى مح البيض وبياضه يتخلق أولًا ثم ينصب فيه الصفار ، فكذلك ينبغي هنا ، أو بالسوداء فالكراثية كما وعدنا ، وهذا الصنف يكون عن محترق ؛ وغير محترق فلذلك يخضرّ وإن استوعبه الاحتراق فالزنجارية « 2 » ؛ لأنها تبيضّ بالاحتراق كالفحم إذا ترمد ، وكلا هذين يكون غالباً في المعدة ووقت الجوع ؛ لتلاقي الصفراء والسوداء فيها وطبع الصفراء كالنار . وآخر الكل السوداء ؛ لاحتراقها وغلظها ومضادتها الحياة مطلقاً ، وهي : اما طبيعية تضرب إلى الحمرة والحدة والحلاوة والعفوصة ؛ لأنها عَكَر الدم ، ومن ثَمَّ يقبلها الذباب ولا تغلي . وتنقسم إلى نافذ مع الدم للتغليظ والتعديل والتغذية ، وإلى مصبوب إلى الطحال ليدفعه إلى المعدة منبهاً على الجوع ، ومن ثم تغلب الصفراء في الصيف زمن الصوم فتسقط الشهوة فتنبه بما يشاكله من الحوامض . أو غير طبيعية ، اما لاحتراقها في نفسها ، وهي المِرَّة السوداء أو مع غيرها . اما الدم وهي التي تفسده في نحو داء الأسد والحب المشهور ، أو بالصفراء ، وهي موادّ الحكة المتقادمة ، أو بالبلغم ، وهي مواد نحو المفاصل والدوالي وطبعها كالتراب مطلقاً . خلافاً للملطي فقد حكم على محترقها بالحرارة ؛ لشدة نكايته بالنسبة إلى محترق البلغم ، ولم يدر أن النكاية من فرط اليبس ؛ لأن الحرارة معه أحدّ منها مع الرطوبة . ولو حكمنا على غير الطبيعي منها لمفارقة أصل طبعه ، للزمنا ذلك في كل طبيعي والا جاء التحكم . وحاصل القول : إن الخلط ما دام بصورته فله طبعه وإن خلفها لم يبق ذلك الخلط في سم ولا غيره .
--> ( 1 ) الثفل : ما ثفل من كل شيء ، وثفل الغذاء ما خرج من الدبر ، وثفل البول هو الذي تستفضله العروق عند الغذاء قبل الهضم . ( بحر الجواهر ) . ) ( 2 ) الزنجاري : لون يميل عن الخضرة إلى بياض رمادي . ( بحر الجواهر ) . )